عودة إلى الإرث الاستعماري الثقيل | فرنسا - سوريا: الانفتاح ليس مجانياً
تضرب جذور العلاقة السورية - الفرنسية في عمق التاريخ؛ فالبلدان ربطهما إرث استعماري تراكَم عبر مرحلة الانتداب الفرنسي (1920 - 1946)، التي جاءت نتاجاً لاتفاقيات «سايكس بيكو» الشهيرة وللمآلات التي انتهت إليها الحرب العالمية الأولى. والإرث هذا، ظلّ يغوص في الذهنية «الإمبراطورية» الفرنسية لمدة مديدة، في ما عكسه بوضوح موقف باريس من الكيان الصهيوني الذي تقرّر زرعه في فلسطين عام 1948؛ إذ مثّلت فرنسا الحليف الأكبر والداعم الرئيس للكيان الوليد، والذي أسّس لـ«البرنامج النووي الإسرائيلي»، وصولاً إلى توقيع اتفاق إنشاء «مفاعل ديمونا» عام 1957، كناتج لتعاون وثيق بين الطرفين. وهو تعاونٌ سبق أن تجلّى أيضاً في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
لكن الأكيد أن النتائج التي آل إليها العدوان المذكور، والتي قادت إلى تراجع الدور العالمي الفرنسي لحساب الصعود الأميركي والسوفياتي على حدٍّ سواء، هي التي أفضت إلى المواقف المتشدّدة التي اتّخذها الرئيس شارل ديغول من إسرائيل بعيد عدوان حزيران 1967. وممّا عزّز ذلك التوجّه، التفلّت الإسرائيلي من «العقال» الفرنسي والذهاب بعيداً في التحالف مع الولايات المتحدة، الأمر الذي لاحت بوادره منذ صيف عام 1964، واقتضى إحداث تغييرات كبرى في الذهنية الساعية لاستعادة «المجد» الفرنسي. وقادت هذه التغييرات في النهاية إلى إطلاق منظمة «الفرنكوفونية» عام 1970 كسبيل لاستعادة النفوذ.
وفي عهد الرئيس السابق، حافظ الأسد، اتّسمت العلاقة السورية - الفرنسية بالبراغماتية والتقلّب، حيث تراوحت بين التعاون الدبلوماسي والتوتر الشديد، وفقاً لما تحدّده باقة المصالح المتبادلة وملفات المنطقة، وخصوصاً منها الملف اللبناني الذي اضطرمت نيرانه بداية ربيع عام 1975. إذ أدّى التدخل السوري في لبنان إلى توهّج دور دمشق وتحوّلها إلى لاعب أساسي في المنطقة لا يمكن لباريس تجاهله. وفي ما بعد، اتّسمت تلك العلاقة بالبرود من جراء تناقض المواقف على ضفاف الأزمة اللبنانية؛ ففي الوقت الذي دعمت فيه فرنسا الوجود المسيحي والقوى التقليدية، عملت سوريا على تحصين نفوذها عبر تبديل تحالفاتها في لبنان تبعاً لمتطلّبات النفوذ ومنظور الصراع مع إسرائيل.
ومع نجاح دمشق في حسم صراعها الداخلي إزاء «الإخوان المسلمين» في شباط 1982، وفي إسقاط «اتفاق 17 أيار» عام 1983، أيقنت باريس أن المتغيّرات أكبر من أن يجري تجاهلها. ومن هنا، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي آنذاك، فرانسوا ميتران، إلى دمشق عام 1984، والتي حملت اعترافاً فرنسياً بدور سوريا الإقليمي في لبنان، عبر طلب التوسّط لإطلاق سراح الرهائن الفرنسيين هناك. ومع اندلاع حرب الخليج الثانية عام 1991 ومشاركة القوات السورية في «تحرير الكويت»، كسر الأسد الأب جدران العزلة الغربية المفروضة على نظامه، وفي صلبها تلك الفرنسية. ورغم ذلك، ظلّ التباين الفرنسي - السوري في لبنان قائماً، وخصوصاً أن الأخير كان قد أضحى تحت الهيمنة السورية تماماً في أعقاب الحرب. وفي أواخر عهد الأسد الأب، الذي تزامن مع عهد الرئيس جاك شيراك في فرنسا، توطدت العلاقة بدرجة كبيرة، ليكون الأخير الزعيم الغربي الوحيد الذي حضر تشييع الأسد في حزيران عام 2000.
وعلى المنوال ذاته، سار شيراك في دعم الأسد الابن طوال سنوات حكمه الأولى، قبل أن تبلغ العلاقات منعرجاً خطيراً تمثّل باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، في شباط 2005، حيث اتُّهم النظام السوري بالضلوع في الجريمة، ممّا دفع شيراك إلى قطع علاقاته بدمشق. ومع وصول نيكولا ساركوزي إلى «الإليزيه»، بدا وكأنه يسعى لطيّ صفحة الماضي، فمثّلت زيارته لدمشق عام 2008 «طوق نجاة» لكسر العزلة، إلا أنها انتهت إلى فشل ذريع نتيجة ما وصفه مصدر مقرّب من الرئاسة الفرنسية حينها بـ«مراوغات الأسد». وعقب اندلاع احتجاجات آذار 2011، اتخذت باريس موقفاً متشدداً داعماً للمعارضة، وأغلقت سفارتها مطالبة بتنحّي بشار الأسد؛ وهو الموقف الذي لم يتغيّر في عهدَي فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، قبل أن تتسارع الأحداث وتتمزّق أشرعة الحكم السابق في دمشق يوم 8 كانون الأول 2024.
اليوم، تنظر فرنسا إلى سوريا باعتبارها دولة ذات أهمية جيوسياسية بالغة في شرق المتوسط، وشريكاً أساسياً في قضايا الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وإدارة الهجرة، واستقرار المنطقة. وفي المقابل، تنظر سوريا نحو فرنسا كشريك أوروبي يمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً داخل «الاتحاد الأوروبي»، ويمكنه المساهمة في دعم مسارات التعافي والتنمية وإعادة الانفتاح على الغرب، وهو ما يمثل هاجساً لا لبس فيه لدى القيادة الجديدة.
ويأتي بحث ساكن «الإليزيه» اليوم عن موطئ قدم استراتيجي في عقدة جغرافية تبدو بالغة الأهمية شرقي المتوسط، استكمالاً لطموح يقوم على إعادة بعث «المجد الإمبراطوري» لباريس، وذلك بالاستفادة من عاملين اثنين: أولاهما، انفتاح الأبواب السورية على مصاريعها الغربية، وثانيهما الزخم النفسي الذي يوفّره الشعور الجمعي بأن فرنسا كانت من أوائل الدول التي قطعت علاقاتها مع النظام السابق، ثمّ واصلت تعزيز دعمها للمعارضة السورية، يوماً بعد يوم.
غير أن هذا الحراك الفرنسي، الذي يستحضر في خلفيته «التربّص» الأميركي الساعي إلى الاستحواذ التامّ على «الكعكة» السورية، يبدو مشروطاً بمحدّدات صارمة؛ فعشية زيارة ماكرون إلى دمشق، نقلت وكالة «فرانس برس» تنبيهاً صادراً عن «الإليزيه» يؤكد أن «سوريا الجديدة لن تكون شريكاً لنا إلا بشرط أن تؤخذ تعدّديتها بالكامل في الاعتبار»، وأن باريس ستكون «صارمة في مطلبها»، وأنه «لا مجال لأن تحلّ سلطة إقصائية محلّ سلطة إقصائية أخرى».
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|